تتناول الباحثة سامية محمد في هذا التحليل واقع القوة الإقليمية لمصر مقابل هشاشتها الاقتصادية العميقة، وتوضح أن صورة الدولة القوية تخفي خلفها اعتمادًا متزايدًا على موارد خارجية حيوية، خصوصًا في قطاعي الطاقة والمياه، وهو ما يجعل أي اضطراب إقليمي يحمل عواقب غير متكافئة على القاهرة مقارنة بدول أخرى.
وينشر موقع هورن ريفيو هذا التحليل الذي يسلط الضوء على التحولات التي طرأت على قطاع الطاقة المصري خلال العقد الأخير، ويكشف كيف أصبح الاقتصاد المصري مرتبطًا بشكل متزايد بإمدادات الغاز المستوردة، خاصة القادمة من إسرائيل.
قوة إقليمية تخفي هشاشة هيكلية
تبدو مصر من الخارج قوة إقليمية تمتلك مؤسسات قوية وقدرة على التعامل مع الأزمات والاضطرابات. لكن هذه الصورة تخفي واقعًا أكثر هشاشة. فخلف مظاهر القوة الظاهرة تقف تبعيات هيكلية عميقة في الموارد الأساسية التي يقوم عليها الاقتصاد والاستقرار الداخلي.
ويرتبط اثنان من أهم ركائز قوة الدولة الحديثة، وهما الطاقة والمياه، بعوامل خارجية لا تخضع بالكامل لسيطرة القاهرة. ويخلق هذا الوضع اختلالًا واضحًا في ميزان التأثير عند حدوث أزمات أو صراعات تتعلق بهذه الموارد.
وفي حال وقوع اضطرابات كبيرة في هذه المجالات قد يتضرر جميع الأطراف، لكن مصر تتحمل غالبًا الكلفة الأكبر والأسرع بسبب اعتمادها المباشر على تدفقات الموارد القادمة من الخارج.
وتظهر هذه الحقيقة بوضوح في ملف الطاقة، حيث يبرز اعتماد مصر المتزايد على واردات الغاز الطبيعي، وهو ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات يشكل تحديًا اقتصاديًا وسياسيًا واسع النطاق.
اعتماد متزايد على الغاز المستورد
تكشف التطورات الأخيرة في صادرات الغاز الإسرائيلي مثالًا واضحًا على هذا الخلل. ففي بداية عام 2026 أدت التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران إلى توقف مؤقت لتدفق الغاز من الحقول البحرية الإسرائيلية إلى مصر، قبل أن تعود الإمدادات جزئيًا خلال شهر مارس.
ويكشف هذا الحدث حقيقة لا تحظى غالبًا بالاهتمام الكافي في النقاش العام، وهي أن نظام الطاقة في مصر أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على الغاز المستورد من إسرائيل.
وتطورت هذه التبعية تدريجيًا خلال العقد الماضي. ففي منتصف العقد الماضي بدت مصر على وشك التحول إلى قوة كبيرة في مجال الغاز الطبيعي بعد اكتشاف حقل ظهر في البحر المتوسط عام 2015، وهو أكبر حقل غاز اكتشف في البحر المتوسط.
وأثار هذا الاكتشاف توقعات واسعة بأن تحقق مصر اكتفاءً ذاتيًا طويل الأمد في مجال الطاقة، مع إمكانية توسيع دورها كمصدر إقليمي للغاز.
وارتفع الإنتاج سريعًا في السنوات التالية، واستعادت مصر لفترة قصيرة مكانتها كمصدر للغاز. لكن الإنتاج في بعض الحقول الرئيسية بدأ لاحقًا في الاستقرار أو التراجع أسرع مما توقعه كثير من الخبراء.
ولم يحقق حقل ظهر دائمًا مستويات الإنتاج التي جرى توقعها في البداية، وهو ما جعل الإنتاج المحلي يواجه صعوبة في مواكبة الطلب المتزايد على الطاقة داخل البلاد.
ولتغطية هذا العجز اتجهت القاهرة بشكل متزايد إلى استيراد الغاز من إسرائيل. وتدفق الغاز من حقلي ليفياثان وتمار البحريين عبر شبكة أنابيب تربط بين البلدين، وأصبح عنصرًا أساسيًا في مزيج إمدادات الطاقة المصرية.
وفي كثير من الفترات شكل الغاز القادم عبر هذه الأنابيب نحو 15 إلى 20 في المئة من إجمالي الإمدادات المتاحة في مصر، بل ارتفعت النسبة أحيانًا خلال فترات الذروة الموسمية للطلب على الكهرباء.
تداعيات اقتصادية وأمنية محتملة
يحمل أي اضطراب في إمدادات الطاقة آثارًا فورية داخل مصر. إذ تعتمد منظومة الكهرباء بشكل كبير على محطات توليد تعمل بالغاز، والتي توفر الجزء الأكبر من الطاقة الكهربائية في البلاد.
وعندما تنخفض إمدادات الغاز يرتفع خطر حدوث نقص في الكهرباء بسرعة. وقد تؤثر انقطاعات الكهرباء، حتى لو كانت مؤقتة، في حياة المواطنين والأنشطة الاقتصادية والبنية التحتية الحيوية.
كما تواجه قطاعات صناعية عديدة مخاطر كبيرة في مثل هذه الظروف، خاصة صناعات الأسمدة والإسمنت والبتروكيماويات التي تعتمد بشكل مباشر على توفر الغاز بأسعار مستقرة.
ويكشف هذا الوضع نقطة ضعف مهمة في البنية الاقتصادية المصرية. فبالنسبة لإسرائيل قد يمثل توقف خط أنابيب الغاز مشكلة لوجستية أو مالية يمكن التعامل معها عبر تحويل الإمدادات أو تخزينها. أما في مصر فقد يؤدي اضطراب الإمدادات إلى تداعيات داخلية مباشرة تمس الكهرباء والصناعة والاستقرار الاقتصادي.
وتسعى مصر إلى تقليل هذه المخاطر عبر خطوات متعددة مثل التوسع في الطاقة الشمسية، وزيادة واردات الغاز الطبيعي المسال، ودراسة مشاريع تحلية المياه. لكن هذه الحلول تعمل في الغالب كإجراءات تخفيفية أكثر منها حلولًا جذرية.
فالطاقة الشمسية تتأثر بدورات الليل والنهار، وأسعار الغاز المسال قد ترتفع بسرعة في الأسواق العالمية، بينما تتطلب مشاريع تحلية المياه كميات كبيرة من الطاقة وتكاليف مالية ضخمة.
ولهذا يظل التوازن الإقليمي في مجال الطاقة غير متكافئ في نتائجه. فإذا تعرضت تدفقات الموارد في شرق المتوسط لاضطراب قد تخسر بعض الدول إيرادات مالية، لكن مصر قد تواجه ضغوطًا اجتماعية واقتصادية أوسع تشمل تباطؤ الصناعة وارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع الاستقرار الاقتصادي.
ويعكس هذا الواقع مفهومًا أوسع لقوة الدول في القرن الحادي والعشرين، حيث تحدد أمن سلاسل الإمداد والموارد الأساسية مستوى القدرة على الصمود في الأزمات، وليس حجم القوة العسكرية وحده.
وتوضح هذه المعادلة أن أي توتر سياسي أو تصعيد إقليمي قد يحمل مخاطر كبيرة على مصر بسبب اعتمادها على موارد خارجية أساسية. ولهذا يبرز التعاون الإقليمي وإدارة الموارد المشتركة كخيار منطقي لتقليل مخاطر الاعتماد المتبادل.
وفي نهاية المطاف تكشف الأزمات حقيقة القوة الفعلية للدول. فرغم ما تبدو عليه مصر من قوة إقليمية، يبقى استقرارها الاقتصادي مرتبطًا بتدفقات موارد لا تسيطر عليها بالكامل، وهو ما يجعل أي اضطراب كبير يترك أثرًا أثقل على القاهرة مقارنة بغيرها من الأطراف.
hornreview.org/2026/03/12/the-asymmetry-problem-egypts-quiet-dependency-crisis/

